ابن أبي الحديد
93
شرح نهج البلاغة
ووقوف الناس عليها ولا بد أن يحيطوا بها علما ، وإن اجتهد في سترها . وقد أخذ هذا المعنى الأخير محمود الوراق فقال : إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه * ورد ذوي الحاجات دون حجابه ظننت به إحدى ثلاث وربما * رجمت بظن واقع بصوابه أقول به مس من العي ظاهر * ففي إذنه للناس إظهار ما به فإن لم يكن عي اللسان فغالب * من البخل يحمى ماله عن طلابه وإن لم يكن لا ذا ولا ذا فريبة * يكتمها مستورة بثيابه . أقام عبد العزيز بن زرارة الكلابي على باب معاوية سنة في شملة من صوف لا يأذن له : ثم أذن له وقربه وأدناه ، ولطف محله عنده حتى ولاه مصر ، فكان يقال : استأذن أقوام لعبد العزيز بن زرارة ، ثم صار يستأذن لهم ، وقال في ذلك : دخلت على معاوية بن حرب * ولكن بعد يأس من دخول وما نلت الدخول عليه حتى * حللت محلة الرجل الذليل وأغضيت الجفون على قذاها * ولم أنظر إلى قال وقيل وأدركت الذي أملت منه * وحرمان المنى زاد العجول ويقال : إنه قال له لما دخل عليه أمير المؤمنين : دخلت إليك بالأمل ، واحتملت جفوتك بالصبر ، ورأيت ببابك أقواما قدمهم الحظ وآخرين أخرهم الحرمان ، فليس ينبغي للمقدم أن يأمن عواقب الأيام ، ولا للمؤخر أن ييئس من عطف الزمان . وأول المعرفة الاختبار ، فابل واختبر إن رأيت . وكان يقال : لم يلزم باب السلطان أحد فصبر على ذل الحجاب ، وكلام البواب ، وألقى الانف ، وحمل الضيم ، وأدام الملازمة إلا وصل إلى حاجته أو إلى معظمها .